الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
21
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الحقيقة أو رجحانه عليها فيفتقر فيه حمل اللفظ على الحقيقة إلى قيام القرينة وذلك لما عرفت من أن المراد بالغلبة في المقام ما يوجب تعين اللفظ لذلك المعنى فيقضي بالتوقف في الحمل أو رجحان المعنى الغالب مع قطع النظر عن جميع القرائن حتى ملاحظة الشهرة وهو غير حاصل في المجاز المشهور هذا ولا يذهب عليك أن استعمال المنقول في كل من معنييه على سبيل الحقيقة لحصول الوضع بالنسبة إلى كل منهما غير أن إطلاقه مع انتفاء القرائن ينزل على المعنى الأخير والحمل على الأول يتوقف على قيام القرينة وربما يتوهم زوال أثر الوضع بالنسبة إلى الأول فإذا استعمل فيه كان مجازا فينعكس فيه الأمر وهو فاسد إذ لا دافع هناك للوضع بعد تحققه ومجرد انصراف إطلاقه إلى الأخير وافتقار حمله على الأول إلى القرينة من جهة الغلبة المفروضة لا يقتضي كون الأول مجازا كيف ولو كان مجازا لما اتجه جعله قسما برأسه وانتقض به حد المجاز ومن هنا يعلم أن الألفاظ المتروكة في العرف لا يلحق بالمهملات مع حصول الهجر بالنسبة إليها هذا إذا استعمل في الأول من جهة الوضع له وأما إذا كان بملاحظة العلاقة الحاصلة بينه وبين الأخير كما هو الظاهر من استعماله فيه بعد تحقق النقل فلا شك في كونه من المجاز ويجزي الوجهان في استعمال المشترك في أحد معنييه مع هجره أو إبقائه على حاله ولذا اعتبرت الحيثية في حدي كل من الحقيقة والمجاز قوله فهو الحقيقة والمجاز المعروف أن التسمية بالحقيقة والمجاز فرع الاستعمال ولذا عرفت في المشهور بالكلمة المستعملة فيما وضع له في اصطلاح به التخاطب أو ما يؤدي ذلك كما هو مذكور في الكتب الأصولية والبيانية وهو غير مأخوذ في الحقيقة على ما ذكره فلا يستقيم إطلاقه ولو قيل باختصاص المقسم بما إذا تحقق الاستعمال إذ المراد بالمعنى هو الأمر المقصود من اللفظ وفيه مع عدم دلالته عليه إذ لا يفيد ذلك كونه مقصودا بالفعل أنه يلزم من ذلك تخصيص سائر الأقسام كالمشترك والمترادف بذلك وظاهر تحديداتهم لها يعم المستعمل وغيره ثم إن في العبارة إشكالا آخر فإن تخصيص المجاز بالذي لم يغلب على الحقيقة يقتضي خروج الغالب عليها مع اندراجه في المجاز أيضا فإن المنقول العرفي والشرعي مجاز لغوي ولو بعد النقل والغلبة قد يذب عنه أن الحيثية معتبرة في المقام فيكون من حيث غلبته منقولا ومع قطع النظر من غلبته وتعين اللفظ له إذا لوحظ له في الاستعمال علاقة لمعناها الأول يكون مجازا لكن استفادة تلك من العبارة مشكل وكأنه تسامح في التعبير اتكالا على وضوح الأمر قوله فهو المنقول اللغوي إلى آخره ينسب إلى ما وقع النقل بحسبه من الشرع أو اللغة أو العرف العام أو الخاص وثبوت المنقول بالوجه الأخير مما لا كلام فيه والنزاع في المنقول الشرعي معروف ويأتي الكلام فيه إن شاء الله والمنقول اللغوي لم يثبت وجوده فهو مجرد فرض ولذا تركه جماعة ومثل له بعضهم بالغائط فإنه اسم للأرض المنخفضة وقد جعل اسما للحدث المعروف وهو كما ترى وكأنه مبني على تعميم اللغة للعرف القديم وأما المنقول العرفي العام فالمعروف وجوده وربما ناقش فيه بعضهم لشبهة ركيكة مبينة الاندفاع ثم إن الظاهر أن المراد به ما عرف معظم أهل اللسان بأنه لا يختص بطائفة دون أخرى ولا يعتبر فيه العموم لسائر الأفراد فلا ينافيه عدم ثبوته عند شرذمة قليلة ولا ينافي العلم بثبوته الجهل بتحققه عند جميع الآحاد ثم إنه قد يكون الوضع في المنقول تعينا حاصلا من وضع اللفظ للمعنى الثاني لمناسبته لما وضع له أولا وهل يكتفي فيه بمطلق المناسبة الملحوظة أو يعتبر أن يكون مصححة للتجوز وجهان وظاهر إطلاقهم يومي إلى الأول وهو الأوجه وقد يكون تعيينا حاصلا من كثرة استعمال اللفظ به وحينئذ قد يكون الاستعمال فيه أولا على سبيل المجاز إلى أن يصل إلى حد الحقيقة وقد يكون إطلاقه عليه على سبيل الحقيقة كما إذا كان من قبيل إطلاق الكلي على الأفراد لا بإرادة الخصوصية من اللفظ فشاع الإطلاق المذكور إلى أن تعين اللفظ له وانسبق الفهم بخصوصه كما يحتمل ذلك في الدابة والقارورة فلا يكون النقل إذن مسبوقا بالمجاز في كلام العلامة رحمه الله في النهاية إشارة إلى ذلك حيث قال واعلم أن العرف العام منحصر في أمرين الأول اشتهار المجاز بحيث يصير حقيقة عرفية إلى أن قال الثاني تخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة المشتقة من الدبيب واختص ببعض البهائم فإن مقابلته بالمجاز يومي إلى عدم كون الاستعمال في الثاني مجازا بأن يكون الخصوصية ملحوظة في استعماله فتأمل قوله وإن كان بدون المناسبة فهو المرتجل قضية كلامه حصول الغلبة في المرتجل على نحو المنقول وخلوه عن المناسبة فهو الفارق بينه وبين المنقول والفرق بينه وبين المجاز أمران أحدهما ذلك والآخر حصول الغلبة فيه بخلاف المجاز وأنت خبير بلزوم خلو استعمال المرتجل قبل حصول الغلبة المفروضة عن الوضع والمناسبة حسبما مر فلا يندرج في الاستعمال الصحيح وغاية ما يتعسف في تصحيح ذلك أن يقال بثبوت الوضع فيه في الجملة ويدعى اعتبار ملاحظة عدم المناسبة بينه وبين المعنى الأول فمن جهة تلك الملاحظة يحصل نوع تبعية للوضع الحاصل فيه بالنسبة إلى وضعه الأول فيختص الوضع المنفرد فيه بأحد معانيه وفيه مع ما فيه من التكلف البين أن اعتبار ذلك في المرتجل غير معلوم ولا منقول في كلماتهم إنما المعتبر فيه عدم ملاحظة المناسبة وإن كانت موجودة وأين ذلك من اعتبار ملاحظة عدم المناسبة مضافا إلى أن اعتبار الغلبة فيه غير ظاهر إذا لم يعتبروا ذلك في حده ومع البناء على اعتبارها فيه يلزم خروجه قبل الغلبة عن جميع الأقسام المذكورة وظاهر العبارة اندراجه إذن في المجاز وهو بين الفساد هذا وظاهر إطلاقات المرتجل في كلامهم يعطي اعتبار مغايرة واضعه الثاني لواضعه الأول ولو بالاعتبار من جهة اختلاف العرف الذي وقع الوضع سواء حصل ذلك هناك هجر المعنى الأول أو لا فتأمل وحيث إن المصنف رحمه الله اقتصر في مباحث الألفاظ على قليل من مطالبها وكان هناك فوائد عديدة يليق الإشارة إليها ومطالب جيدة يتوقف كثيرة المباحث المتعلقة بالألفاظ عليها كان الحري الإشارة إلى ما يسع المقام لذكرها ولنضع ذلك في فوائد الأولى أن دلالة اللفظ على المعنى قد يكون بالوضع وقد يكون بغيره فمن الأول دلالة اللفظ على ما استعمل فيه من المعاني المطابقية الحقيقية ومن الثاني دلالته على المعاني التضمنية والالتزامية فإن دلالته عليها من جهة استلزام الكل لجزئه والملزوم للازمه وهو إنما يأتي من جهة العقل من غير ارتباط له بالوضع وقد يجعل دلالته عليها وضعية لتوقفها على الوضع وهو الذي اعتبره المنطقيون فحكموا بكون الدلالات الثلاث وضعية وأما ما ذكرنا فهو المذكور في كتب البيان وهو الأنسب بالمقام وكيف كان فهو بحث لفظي لا طائل تحته فإنه إن فسرت الدلالة الوضعية بما يكون للوضع مدخلية في حصولها سواء كانت بلا واسطة أو معها اندرج ذلك في الوضعية ضرورة توقفها على الوضع إذ دلالة اللفظ على المعاني التضمنية والالتزامية فرع الدلالة على المعنى المطابقي المتوقف على الوضع